ابن أبي الحديد
44
شرح نهج البلاغة
ابن زمعة ، فاحتمله حتى جاء به باب مسجد ، فضرب به الأرض ، فكسر ضلعا من أضلاعه ، فقال ابن مسعود : قتلني ابن زمعة الكافر بأمر عثمان وفي رواية أخرى إن ابن زمعة الذي فعل به ما فعل كان مولى لعثمان أسود مسدما ( 1 ) طوالا . وفي رواية أخرى : إن فاعل ذلك يحموم مولى عثمان . وفي رواية ، إنه لما احتمله ليخرجه من المسجد ناداه عبد الله : أنشدك الله ، ألا تخرجني من مسجد خليلي صلى الله عليه وسلم . قال الراوي : فكأني أنظر إلى حموشة ( 2 ) ساقى عبد الله بن مسعود ورجلاه تختلفان على عنق مولى عثمان حتى أخرج من المسجد ، وهو الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد ) . وقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أن عثمان ضرب ابن مسعود أربعين سوطا في دفنه أبا ذر . وهذه قصة أخرى ، وذلك أن أبا ذر رحمه الله تعالى لما حضرته الوفاة بالربذة ، وليس معه إلا امرأته وغلامه عهد إليهما أن غسلاني ثم كفناني ، ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمرون بكم قولوا لهم : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه ، فأعينونا على دفنه ، فلما مات فعلوا ذلك ، وأقبل ابن مسعود في ركب من العراق معتمرين ، فلم يرعهم إلا الجنازة على قارعة الطريق ، قد كادت الإبل تطؤها ، فقام إليهم العبد ، فقال : هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعينونا على دفنه ، فانهل ابن مسعود باكيا ، وقال : صدق رسول الله صلى الله عليه ، قال له : ( تمشى وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ) ، ثم نزل هو وأصحابه ، فواروه . قال : فأما قوله إن ذلك ليس بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود ، فواضح البطلان ، وإنما كان طعنا في عثمان دون ابن مسعود ، لأنه لا خلاف
--> ( 1 ) المسدم : الأهوج . ( 2 ) الحموشة : دقة الساقين .